الشيخ محمد رشيد رضا
258
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
في الاسلام جميعا لا يتخلف منكم أحد ، وصاحب هذا القول يصرف نداء ( الَّذِينَ آمَنُوا ) إلى أهل الكتاب أي آمنوا بالأنبياء السابقين والوحي ، حتى لا يرد عليه ان الايمان يستلزم الدخول في الاسلام فيكون أمر المؤمن بالاسلام من تحصيل الحاصل ، ووجه اللزوم أن الايمان هو التصديق الجازم مع إذعان النفس ، فمن صدق بالشيء وأذعن له فقد دخل في أعماله وانقاد لأحكامه لا محالة وأما قول الجماهير ان العلم لا يوجب العمل فهو على إطلاقه خطأ ، فالعلم التصديقي الاذعاني المتعلق بالمنافع والمضار يوجب العمل به ما لم يعارضه في موضوعه علم أقوى منه ، وأما العلم التصوري والعلم النظري المعارض بعلم ضروري أو نظري أقوى منه فلا يوجبان العمل ، وقد صرح حجة الاسلام الغزالي وشيخ الاسلام ابن تيمية والعلامة الشاطبي صاحب الموافقات بأن العلم الصحيح يستلزم العمل ، والحق التفصيل الذي أشرنا اليه آنفا ، وآيات الكتاب العزيز دالة عليه ومعززة له ، ويدل لمن قال إن الآية نزلت في أهل الكتاب ما رواه ابن جرير عن عكرمة قال قال عبد اللّه بن سلام وثعلبة وابن يامين وأسد وأسيد ابنا كعب وسعيد بن عمر وقيس ابن زيد كلهم من يهود : يا رسول اللّه يوم السبت تعظمه فدعنا فلنسبت فيه ، وان التوراة كتاب اللّه فدعنا فلنقم بها بالليل . فنزلت - فالخطاب على هذا لليهود خاصة ، لا لأهل الكتاب عامة ، ولكن الرواية غير صحيحة وهي تنم على نفسها فهي موضوعة للآية ، وهناك رواية أخرى بمعناها والوجه الثاني في تفسير السلم وهو المسالمة والوفاق يتوقف على الوجه الأول - أخذ الدين يجملته - لأنه أمر برفع الشقاق والتنازع وبالاعتصام بحبل الوحدة ، وشد أو أخي الإخاء ، ولا يرتفع الشيء الا يرفع أسبابه ، ولا يستقر الا بتحقق وسائله ، وهو بمعنى قوله عز وجل ( 3 : 103 وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) الآية . وقوله تعالى ( 8 : 46 وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا ) وقوله عليه الصلاة والسّلام « لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم أعناق بعض » رواه الجماعة كلهم . وقد خالفنا كل هذه النصوص فتفرقنا وتنازعنا وشاقّ بعضنا بعضا بشبهة الدين ، إذ اتخذنا مذاهب متفرقة كل فريق يتعصب لمذهب ويعادي سائر اخوانه المسلمين